عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
63
اللباب في علوم الكتاب
وقدّم تبارك وتعالى مسّ الضّرّ على مسّ الخير لمناسبة اتّصال مسّ الضّرّ بما قبله من التّرهيب المدلول عليه بقوله تعالى : « إِنِّي أَخافُ » * ، وجاء جواب الشّرط الأوّل بالحصر إشارة إلى استقلاله بكشف الضّرّ دون غيره ، وجاء الثاني بقوله تعالى فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إشارة إلى قدرته الباهرة ، فيندرج فيها المسّ بخير وغيره ، على أنّه لو قيل : إنّ جواب الثاني محذوف لكان وجها أي : وإن يمسسك بخير فلا رادّ لفضله ، للتصريح بمثله في موضع آخر . فصل روى ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - قال : « أهدي للنّبي صلى اللّه عليه وسلم بغلة أهداها له كسرى ، فركبها بحبل من شعر ، ثمّ أردفني خلفه ، ثمّ صار بي مليّا ، ثمّ التفت إليّ وقال « 1 » : يا غلام فقلت : لبّيك يا رسول اللّه فقال احفظ اللّه يحفظك ، احفظ اللّه تجده أمامك ، تعرّف إلى اللّه في الرّخاء يعرفك في الشّدّة ، وإذا سألت فأسأل اللّه ، وإن استعنت فاستعن باللّه ، فقد مضى القلم بما هو كائن ، فلو جهد الخلائق على أن ينفعوك بشيء لم « 2 » يقضه اللّه سبحانه لك لم يقدروا عليه ، ولو جهدوا أن يضرّوك عمّا لم يكتب اللّه عليك ما قدروا عليه ، فإن استطعت أن تعمل بالصّبر مع اليقين فافعل ، فإن لم تستطع ، فإنّ في الصّبر على ما تكره خيرا كثيرا ، واعلم أنّ النّصر مع الصّبر ، وأنّ مع الكرب الفرج ، وأنّ مع العسر يسرا » « 3 » . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 18 ] وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ( 18 ) والمراد بالقاهر الغالب ، وفي « القاهر » زيادة معنى على القدرة وهو منع غيره من بلوغ المراد . وقيل : المنفرد بالتّدبير الذي يجبر الخلق على مراده . قوله : « فوق » فيه أوجه « 4 » : أظهرها : أنه منصوب باسم الفاعل قبله ، والفوقيّة هنا عبارة عن الاستعلاء والغلبة . والثاني : أنه مرفوع على [ أنه ] خبر ثان ، أخبر عنه بشيئين : أحدهما : أنه قاهر . والثاني : أنه فوق عباده بالغلبة . والثالث : أنه بدل من الخبر . والرابع : أنه منصوب على الحال من الضمير في « القاهر » كأنه قيل : وهو القاهر
--> ( 1 ) في ب : فقال . ( 2 ) في ب : بما لا . ( 3 ) أخرجه الحاكم ( 3 / 541 ) من حديث ابن عباس وقال : هذا حديث عال كبير . وله طريق آخر بلفظ مختصر عند الترمذي ( 2516 ) وقد تقدم تخريجه . ( 4 ) ينظر : الدر المصون 3 / 26 .